Tuesday, February 12, 2008

الكاتب ادهم ميران
في آخر اعمال الفنان صدر الدين أمين

الرؤيـــــــــــــة البدائيــــــــــــة إســــــــــــــتعارات وتضمينـــــــــــات
الاتحاد : ادهم ميران

المجموعة الاخيرة من اعمال الفنان صدر الدين امين التي ضمت 46 لوحة، حوت على اجواء مختلفة لمشاهد متنوعة ابطالها حيوانات خرافية وتنانين وعضايا ونباتات وشمس وبشر ومساحات اخرى مكتظة بالرموز، كأنها أرقام طينية آخرى يضيفها الى اعماله السابقة ومشوار جديد لتعميد بنية نصه التشكيلي، ويعود خطابه البصري مرة اخرى ليعلن عن لغة التواصل الكوني التي نسيها الانسان في غفلة اللحاق بركب الحضارة والتكنولوجيا.
أدهم ميران
كما يفعل اي فنان في لوحته يعتمد (امين) على مجموعة عناصر فنية بدءا من مفرداته الشكلية واللونية والخطوط والمساحات الموزعة والعلاقات فيما بينها لصياغة نصه التشكيلي بمحتوى الخطاب، بيد ان الحوارات التي يعتمدها بين عناصره هي سجالات للهيمنة فيما بينها لحساب فضاء الحكاية السحرية وألوان الفصول، واكساب كائناته طاقة دينامية وتعبيرية، تكرارها بصيغ مختلفة يؤسس لجمالية لا تفارق مخيلة المتلقي، جاعلة بعد برهة ألفة غريبة وكأنها مخلوقات واقعية تعيش بيننا، وفي الوقت نفسه لا يقف الفنان عند اسناد الادوار لكائناته فحسب، بل يمضي لتسوية اتجاهات الخطوط والرموز ومساحات الألوان حول محاور حركية متعددة المركز، تهطل من خلفها الفصول الأربعة لتعود بالمتلقي الى خضم الحكاية.
يحاول البدائي المعاصر صدر الدين امين من خلال تجاربه المغرقة في انسنة الكائنات من حولنا والمليئة بنداءات الماضي الآتية من عبق مخيلة الانسان البدائي، استعادة لغة البراءة والبيئة الواحدة كمضمون يحيا به العالم والكون من حولنا، هذا البحث المضني عن الذات والآخر والكون لا يكل لصنع مملكة الحرية والسلام وامبراطوية الطفولة ومملكة المرأة، محاولا الارتقاء بالوعي واللاوعي الى ادراك المعنى الموضوعي والحقيقي للحياة واكسابها مفاهيم انسانية بمستوى الأسطورة التي لم تبارح عقل الانسان منذ وجوده على الأرض، والنابعة من التواصل الحدسي لاستقطاب الكائنات والطبيعة والكون بمستوى متواز، تعيش في خضم حكايات واحلام طالما مرت بمخيلتنا في لجة هروبنا المتناوب من اليقظة الى الحلم او العكس اوبكليهما معا. ان استقصاء هذا التفاعل الديناميكي والطقس السحري ينبئ بتقليص وتهميش مساحة التناقض بين شكل الأجناس من ناحية، والتأكيد على المضمون الاخلاقي الذي يحثنا عليه الوجود من ناحية اخرى، وهكذا يستعير الفنان الرؤية البدائية بتضميناته الخاصة واسلوبه الخاص، الذي لا يختلف تماما عن تجربة فنان الكهوف والهنود الحمر وحضارة سومر والمايا. لما افاد منها (الفنان) وهو يأتي من بطون تلك الحقب ليستكمل ما انتهوا اليه في قراءتهم للكون والطبيعة من حولهم، معتمدا الرمزية الواعية والتجريدات المتسامية لتكثيف الفكرة وخطاب التشكيل بغية تحقيق عالمه الفردوسي الباهر.
في مراجعة عامة لعناوين اعماله الاخيرة كـ(منظر من القرية- حلم الربيع- غابة الحياة- بهجة- حلم الطفولة- الساحر والسمكة- الرجل النسر- المرأة النسر- امطار الغابة.. الخ). سنلاحظ انها لم تخرج كثيرا في مضمونها عن نسق الأفكار وحركة الفن البدائي التي ظهرت ما بعد الحداثة، بيد ان الفنان اضاف اليها عالما طفوليا فسيحا وتجربة ثرية، هي عبارة عن مزاوجة طفولة الفكر وبراءته عند الانسان البدائي، والتفكير عند الانسان في مراحل طفولته، قد تكون بطريقة ما اجواء هذه الأعمال نشوزا عن اجواء الواقع المعاش ولا تتوافق مع بعض المعايير، ولكنها لم تكن الأولى في نشوزها وتهويماتها، فالترانيم والطقوس السحرية التي تحفل بها اعمال الفنان مارسها الانسان البدائي في رسومه ثم تلاها الفنانون الحداثويون (من امثال برانكوزي وشاغال والجزائرية باية محي الدين)، وهذا ليس اسباغ نوع من المشابهة فيما بينها بالتحديد، قدر ما هو تنويه لما آلت اليه مراحل تطور الفن البدائي. وما سمات بناء الصورة في الفكر البدائي ذات الأشكال والمساحات المتقابلة، إلا مرحلة تتطور فيما بعد، ويأخذ الفنان (امين) على عاتقه محاولة رسم ملامح البدائية الحديثة التي اشار اليها في احدى حواراته، مستخدما عناصره التشكيلية بحرية وتلقائية لا متناهية لاضفاء المضمون الروحي والمشهد الزمكاني المتعاقب للكون على الانسان وهو يمثله على هيئة نسر او سمكة او طائر او ديناصور او جعله يتحاور مع الشمس والنباتات والمطر، ضمن عالم رحيب تسوده علاقات مغرقة في البراءة وإيحاءات الأسرة الكونية التي تحثنا للعودة الى أحضانها.
ان عالم الطفولة والميثولوجيا هذا، بكائناته البشرية والنباتية وتنانينه الخرافية، بوجوهها المبتسمة المليئة بالغبطة، والشمس المحتفلة معهم دوما، انما هو عودة بالمتلقي الى انتماءاته المغيبة الخالية من ضغوطات العالم المتحضر وتنافساته القاسية، ومغامرة نبيلة نحو لغة اللاوعي الجمعي الذي اندرس مع تقادم الزمن.
اللعب الذي يصفه (جورج سنتيانا) بأنه احد مصادرالابداع الفني، كان احدى سمات الفنان ضمن تجربته لاقتناص مشهده المراوغ العالق في الذاكرة السحيقة للمكان واللامكان، الزمان واللا زمان، وكانت ضربة الفرشاة الأولى هي البصمة التي تعلن عن ولادة كائناته وسرد زمنها وانسنتها كرونولوجيا. على هذا المنوال استقى الفنان من عصريته وبدائيته، وجوده وسحره معا، فراديسه ليمنح الانسان حضوره مرة أخرى وينتشله من تيهانه وزحمة التكنولوجيا وشبق العقائد الضيقة والاحتراب المذهبي والعنصري، ويعيد اليه صورته الجميله التي اغتيلت في غفلة من الزمن، ليعيش في ارض خالية من الأحقاد والأضغان والخوف
***

0 Comments:

Post a Comment

<< Home